بسم الله الذي بنعمته تتم الصالحات، وهو المستعان في الحوادث والنائبات، وإليه وحده المشتكى في ضعف شوكة المسلمين، بعد أن صار أمرهم إلى سواهم، يتساوم الناس في مصيرهم، ويتقاسمون أحلامهم وأمنياتهم، فإليه وحده شكوانا..
والصلاة والسلام على رسول البشرية الأعظم، معلم الناس الخير، وهاديهم إلى صراط العزيز الحميد، الذي نطق بالوحي فجاءت كلماته ترسم واقعنا، وتحكي قصة ضعفنا وتهافت الأمم علينا، ولو اطلع على أمته اليوم لجأر إلى الله بالدعاء.. وناجى ربه بالليل والنهار أن يكشف غمتها، ويفرج كربتها، ويدفع الظلم عنها..
وبعد، فإني رأيت جهلاً عظيماً أحاط بالناس فيما يتعلق بتاريخ القدس والأقصى وأرض فلسطين المباركة، ورأيت قضية الأقصى أهم قضايا المسلمين الحالية، فكان من واجبي كما هو واجب جميع العاملين في حقل توعية المسلمين والشعوب العربية، أن يقدم ما يستطيع لخدمة هذه القضية، ويبذل ما استطاع من جهد وقدرة لنصرتها ونصرة الأقصى الأسير.. وإن كان هذا جهد المقلّ، وبقية الزاد، فإني أدعو الله أن يقبله، ويجعل فيه النفع والخير لكل المسلمين..
ولعل أهم ما يميز هذا الإصدار - وقد سبقته إصدارات كثيرة في تاريخ القدس - أنني اعتمدت فيه التسلسل التاريخي للأحداث وتعاقبها على مر السنين، وبدأت فيه من العهد القديم للأقصى وفلسطين، وقد وقعت على مراجع كثيرة في هذا المجال، حتى أنها أثارت دهشتي لكثرتها وتنوعها، فالحقيقة أن هذه القضية كُتب عنها الكثير، ولكنها كانت تفتقد إلى التسلسل المنطقي التاريخي للأحداث، فغالباً ما كانت كتب التاريخ تروي الأحداث رواية عشوائية غير منظمة، وتقفز بالأحداث من تاريخ لآخر بدون عناية تذكر، ولعلنا اليوم بحاجة إلى المنطقية والعناية المركزة لدراسة هذا التاريخ، وما يشكله من أهمية كبيرة في مواجهة دعاوى اليهود وغيرهم ممن يثبتون حقوقاً هنا وهناك لهم في أرض فلسطين، أو يشككون في انتماء هذه البقعة المباركة لقاطنيها من المسلمين وغيرهم.
وقد بدأت هذا البحث بعدة محاضرات ألقيتها على مدى سنتين متواصلتين، حتى وجدت الحاجة ملحة لإخراجها بشكل كتاب تعم الفائدة منه جميع الناس، ولأن الكتاب أوسع انتشاراً وأعمق أثراً وأكثر توثيقاً، واعتمدت في تأليف هذا الكتاب -كما أسلفت- المنهج المنطقي التاريخي لتسلسل الأحداث، وبدأته بمقدمة عن فضل الأرض المباركة والمسجد الأقصى تتميماً للفائدة وتوطئة للبحث.
وقد اشتمل هذا الكتاب على جزأين رئيسيين، هما التاريخ القديم للقدس وفلسطين، وفيه بحث تاريخي من أول تاريخ معروف للقدس وحتى زمن دخول العثمانيين إلى جزيرة العرب، أما الجزء الثاني فهو التاريخ الحديث للقدس وفلسطين، وفيه بحث تاريخي في المرحلة التي تلت دخول العثمانيين إلى وقت إخراج هذا الكتاب.
وقد اعتمدنا فيه سرد الأمور المتعلقة بشكل أو بآخر بتطورات الأحداث على الأرض المقدسة، مع الإشارة أحياناً إلى بعض الجوانب التاريخية الأخرى لأهميتها في مضمار البحث، وتنبيهاً للقارئ لخطورتها ومدى تأثيرها في التاريخ والأحداث التالية.
وقد كان قصدنا في تأليف هذا الكتاب إضافة إلى تأدية الأمانة التاريخية المناطة بنا، أن نشارك في تنمية الإحساس والشعور بأهمية هذه البقعة المباركة للمسلمين، وقياماً بدورنا في خدمة قضيتنا تجاه إخواننا في الأرض المغتصبة، وإيقاظاً للشعور العربي والإسلامي، وخصوصاً في هذه المحنة التي تمر بها هذه البلدة الطاهرة، مهبط الوحي، وأرض الأنبياء، وأولى القبلتين، وإنه لواجب على كل مسلم اليوم أن لا يدخر جهداً لنصرة هذه القضية بما استطاع من جهد أو مال أو وقت، أو دعم ومساندة، ويجب أن تكون هذه قضيتنا الأولى التي ننافح عنها، ونشحذ جهودنا وأقلامنا وكتاباتنا ومشاعرنا من أجلها، مقتدين بسيرة السلف الصالح، وتاريخ عظماء أمتنا البواسل من أمثال نور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي وغيرهم، وإن لنا في هذا التاريخ خير عبرة وعظة، وخير وسيلة لاستثارة الهمة، وتدفق الحماس من جديد إلى قلوب شباب هذه الأمة وكهولها.
أسأل الله العلي القدير أن يتقبل هذا العمل، وأن يجعله ذخراً في ميزان الحسنات يوم الوقوف بين يدي الخالق جل وعلا، كما أسأله تعالى أن ينفع به كل من قرأه أو اقتناه، وأن تتم به الفائدة المرجوة، والغاية التي من أجلها أخرجناه، والله تعالى الموفق إلى سواء السبيل.
المؤلف : د. طارق محمد السويدان
بتاريخ : 15 محرم 1425 هـ
الموافق : 6 مارس 2004 م